الحرب تستنزف ما تبقى من مقدرات لبنان
مضت أربع سنوات على "حالة الاستنزاف" المالي والاقتصادي التي يعيشها لبنان، واجتمعت جملة عوامل لتزيد الطين بِلة الانهيار. شكل تخلف الحكومة عن سداد سندات الدين نقطة البداية، وما أتبعه من "تمييع الودائع" عبر تعاميم المصرف المركزي، مروراً بإفشال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بفعل انعدام إرادة الإصلاح، وتكريس الدولرة الشاملة في كافة المجالات الاقتصادية، وليس آخر تلك العوامل الأضرار الكبيرة بفعل الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، وما أعقبها مع الموازنة الضرائبية التي تعزز الفروقات بين المواطنين.
التعافي المؤجل
تاريخياً، عُرف الاقتصاد اللبناني بأنه "اقتصاد خدمات"، ما يجعله شديد الحساسية إزاء الأوضاع المتوترة سياسياً، والأوضاع الأمنية المضطربة بسبب تركيبته البنيوية. في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) التي اندلعت في قطاع غزة، تعرض النشاط الاقتصادي اللبناني لصدمة إضافية إلى جانب الصدمات الأخرى التي سبقتها. وتأتي تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت من أن "تل أبيب لن توقف إطلاق النار عند الحدود مع لبنان حتى لو توقف إطلاق النار في غزة"، ليثير المخاوف من استمرار التوترات الأمنية جنوباً على رغم مؤشرات التوصل المحتمل لهدنة موقتة في غزة.
يؤكد رجل الأعمال والنائب ميشال ضاهر، أن الحركة الاقتصادية تأثرت جراء التوترات في المنطقة التي تعمقت في أعقاب حرب غزة، وتحديداً المواجهات الناشئة في البحر الأحمر، متخوفاً من زيادة معدلات التضخم بفعل زيادة أكلاف الإنتاج، ومحاولة تحقيق المنتجين هامش ربح معقولاً. ويلفت إلى تأثير شديد على التجارة البينية بين الدول، وارتفاع أكلاف الشحن من الشرق الأقصى، فعلى سبيل المثال، كانت كلفة مستوعب المواد الأولية سعة20 قدماً، تبلغ 1400 دولار، وأصبحت حالياً بفعل تحويل المسار 5200 دولار. بالتوازي، ارتفعت كلفة تصدير المستوعب إلى الإمارات من 1100 دولار، إلى 4000 دولار. ويشدد ضاهر على حاجة لبنان "أكثر من غيره للتصدير إلى الخليج العربي، لأنه يشكل حوالى 13 في المئة من إجمالي الدخل القومي".
القطاع الخاص والتعافي الموقت
يمتاز القطاع الخاص في لبنان بمرونة كبيرة وقدرة على الاستجابة للتحديات، لكنه يعيش حالة من القلق بفعل السياسة الضريبية. يقول ضاهر إن "الضرائب لا تأتي بطرق شعبوية، وإنما من خلال دراسة آثارها"، مميزاً بين التعافي المالي والتعافي الاقتصادي. فهو يرى أن القطاع الخاص تمكن من التكيّف جزئياً، فيما يستمر الوضع المالي على حاله السيئ نتيجة الأزمة، والحال نفسها بالنسبة لموظفي القطاع العام، إذ "فرضت الحكومة عليهم سلة ضريبية عند مستوى 90 ألف ليرة لبنانية، فيما لم تقم بتصحيح الأجور، وفي وقت تضاعف الدولار 60 ضعفاً، اكتفت الحكومة بمنحهم سبعة أضعاف الراتب الأصلي".
ويوضح ضاهر، "عند بداية الأزمة، بلغ الاحتياطي لدى مصرف لبنان 32 مليار دولار، وكان هناك 50 مليار دولار من الودائع بمثابة ديون لدى القطاع الخاص، وكانت تمتلك المصارف 60 في المئة من ودائع المودعين أي 82 مليار دولار أميركي. وبالتالي، كانت هناك قدرة للعلاج في حينه، ولكن الخطوات العشوائية مثل سياسة الدعم، والفساد، أوصلت احتياطي المركزي إلى تسعة مليارات دولار، فيما سدد القطاع الخاص ديونه باللولار (تسمية تطلق على الودائع بالعملة الأجنبية العالقة في المصارف ولا يمكن سحبها نقداً إلا بسقوف ضئيلة جداً وبقيمة أدنى بكثير من قيمة الدولار الحقيقية في السوق)".
ويعلق ضاهر على إقرار الضريبة الاستثنائية بنسبة 10 في المئة على من استفاد من عمليات الدعم ومنصة "صيرفة"، متسائلاً "أين كانت الدولة والقضاء عند ارتكاب المخالفات، وقافلات تهريب المازوت والبنزين إلى سوريا؟". ويعتقد أنه "في غياب المحاسبة، تُساوي الإجراءات الحكومية بين التاجر والشركات النظامية من جهة، وتلك الضالعة بأعمال مشبوهة من جهة أخرى. ومن ثم، لا بد من ملاحقة ومحاسبة المهربين والفاسدين"، متخوفاً من اتساع نطاق الاقتصاد غير الشرعي والتهرب الضريبي بسبب الضرائب العشوائية.
















