رثائي لك من نوع آخر.. بقلم د. كريستيان مشعلاني

08/02/2021

بقلم الدكتورة كريستيان مشعلاني:

*رثائي لك من نوعٍ آخر*

لقد سمحت لي الأقدار بأن أتعرف على جانبه شخصياً وأجالسه لمرة واحدة فقط، إنما تجسدت المجالسة بألف مرة وبألف عبرة، بعد أن هاتفني شخصياً طالباً مقابلتي والتعرّف على شخصي، ليهنئني على مقالة كتبتها في جريدة النهار بعنوان: العنف في الأدبيات السياسية بين الأحزاب المسيحية.

إنه النائب والوزير السابق جان عبيد.

غادرتنا...
عليه، سيكون رثائي لشخصك الكريم من نوعٍ آخر...
هو سردٌ خاطفٌ مُلخّصٌٍ لمحطات تستأثرك خلال زيارة دامت لساعتين وكأنها برهة زمن، فيها جردة قيمية لسلمٍ من القيم، يستخلص منها القارىء العبارات الممكنة لرثاء لرجل، قلّ نوعه، وتفرّد بمزاج مرح مترابطٍ بفكرٍ فيه من الحنكة والدهاء، قد لا توفيهم الكلمة الحقّة حقهم.


عبيد: أأأنت كاتبة هذه المقالة!؟
أنا: وهل إعتقدت أنني قرداً لم تعرفه الطبيعة؟
غشى ضاحكاً حتى القهقهة، وهي حالة قلّما نراها لدى رجال الساسة خاصة المخضرمين منهم كعبيد، بعد أن أثقلت زواريب السياسة وهمومها نفوسهم، فأصبحت الإبتسامة على محياهم نادرة ندر المطر في الصحراء، ما يدلّل على شخصٍ عاشقٍ للحياة ويُريدها بفرح.

عبيد: ماذا تقرئين في شخصي، هل أصلح لرئاسة الجمهورية؟
أنا: ومن أنا لتسألني؟
عبيد: دكتورة... يكفي أنك كاتبة لتلك المقالة.
أنا: حسناً. وبكل موضوعية، أنا اناقض وأناهض مسيرتك السياسية.
عبيد: أيقنت ذلك وقرأته.
أنا: إذاً، لم يعد لوجودي ربما مكانة في مكتبك.
عبيد: على العكس. أحترمتك إضافة، لأنك لا تجيدين التملّق.
آخذاً، في شرح محطات سياسبة صدامية، موثقاً، محلّلاً، معلّلاً، مبرّراً، مستخلصاً العبر؛ قد لا تقتنع ببعض منها، إنما تستثيرك هامة محترمة متواضعة، تتقن أن السياسة فنٌ الحوار والنقاش الراقي حتى مع من يخالفك الرأي بحنكة إيجابية.

عبيد: هل تدركين أنني أيقنت مكانتي السياسية منذ نعومة أظافري لا بل منذ ساعة مولدي حين كنت رضيعاً؟
أنا: كيف؟
عبيد: والدتي رحمها الله كانت مؤمنة جداً. فكانت لديها رؤية بأني سأتدرج في عالم السياسة، وصولاً الى رتبة رئيس للجمهورية. وأنا لاحقاً، باتت تلك الرؤية تسكن كياني، ومثلما رأت أمي فيّ مكانة نائب ثم وزير، حتماً سأصل إلى رئاسة الجمهورية.
لم يتحدث السيد عبيد في السياسة حصراً مع إنسانة يقابلها للمرة الأولى، إنما سمح لها أن تدخل في الشخصي، وأخذ من الحوار ما يفوق كمّ الوقت، لتدرك أنك جليسٌ لإنسان فيه من الكِبر الأخلاقي بروحية متواضعة ما لا يقدر بثمن وتعجز الكلمات عن وصفه، لا بل إيمان بالله والسيدة العذراء يفوق حجم ما وُلِد ولم يولد بعد، مكللا مسيرته وتطلعاته السياسية بما يراه الآب الضابط في النهاية لكل شأن، فدفعه إيمانه القوي ليستشعر عقبة الوصول إلى كرسي الرئاسة، مما دفعه للإستشارة ولإستفتاء الآراء، فكان له على قدر إيمانه ما زعزع خاتمة حلمه، وما كُتب من الآب قد كُتب.

إنتهت المقابلة... رحلت ولم يكن فقط في جعبتي مسبحة من حجر الكوربا الإلماني تقدّم بها كهدية لي تجسّد ذكراه، بل آثرت بك شخصية قلّ مثيلها خاصة في الأوساط السياسية.
شخصية فذّة، مؤمنة، كريمة النفس والخلق، تفيض كرماً حتى بالعبارات الطيبة والداعمة والمعززة للثقة، محاورٌ لبق، يُجيد كل فنون السياسة مقارنة مع ما تعلمته في الجامعة من صفات العمل السياسي، سواءً كان تاريخه يرضي توجهاتك السياسية أم لا؛ ضيفه معززاً مكرماً، ليفاجئني بعد مغادرتي لمكتبه بعشر دقائق بإتصال آخر، فرددت مطمئنة إياه أنني سأصل بخير الى البقاع، فقال بثقة عالية، حتماً ستصلين وانت ممن يصلون بخير، إنما نسيت ان أقدم لك الزيت والزيتون الشمالي، مشدداً على عودتي لأخذهم، إنما أعتذرت على أن أفيه طلبه، وأرد جميله في المرة القادمة.

إنه جان عبيد الإنسان بكل ما للإنسانية من معنى، والسياسي بدبلوماسيته العالية الراقية وحكمته، ودماثة أخلاقه.

رحل... إنما ذكراه تُستحضر بجمالية وفي سِيَر كمالية الأخلاق.


أسكنك الله فسيح جناته... وإلى جوار الأبرار والقديسين...

Share this:
Poppins

تابعونا على مواقع التوصل الإجتماعي

  • Labora
  • Expert tourism
  • Khazzaka
  • Poppins
Khazzaka